جلال الدين السيوطي

563

الإتقان في علوم القرآن

موسى ، ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة ؛ لما تؤدّي فيه من تنافر النظم الذي هو أمّ إعجاز القرآن ، ومراعاته أهمّ ما يجب على المفسّر . وقال في : لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [ الفتح : 9 ] : الضمائر للّه تعالى ، والمراد بتعزيره تعزير دينه ورسوله ، ومن فرّق الضمائر فقد أبعد . وقد يخرج عن هذا الأصل ، كما في قوله : وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً [ الكهف : 22 ] ، فإنّ ضمير فِيهِمْ لأصحاب الكهف ، و مِنْهُمْ لليهود ، قاله ثعلب والمبرد . ومثله : وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً [ هود : 77 ] قال : ابن عباس ساء ظنّا بقومه وضاق ذرعا بأضيافه . وقوله : إِلَّا تَنْصُرُوهُ [ التوبة : 40 ] الآية ، فيها اثنا عشر ضميرا ، كلّها للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، إلّا ضمير عَلَيْهِ فلصاحبه ، كما نقله السّهيلي عن الأكثرين ؛ لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم تنزل عليه السكينة ، وضمير ( جعل ) له تعالى . وقد يخالف بين الضّمائر حذرا من التنافر نحو : مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [ التوبة : 36 ] . الضمير للاثني عشر ، ثم قال : فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ [ التوبة : 36 ] أتى بصيغة الجمع مخالفا لعوده على الأربعة . ضمير الفصل : ضمير بصيغة المرفوع مطابق لما قبله ؛ تكلما وخطابا وغيبة ، إفرادا وغيره ، وإنّما يقع بعد مبتدإ أو ما أصله المبتدأ وقبل خبر كذلك ، نحو وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ البقرة : 5 ] ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ( 165 ) [ الصافات : 165 ] ، كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [ المائدة : 117 ] ، تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً [ المزمل : 20 ] ، إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا [ الكهف : 39 ] ، هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [ هود : 78 ] . وجوّز الأخفش وقوعه بين الحال وصاحبها ، وخرّج عليه قراءة : ( هُنَّ أَطْهَرُ ) بالنصب . وجوّز الجرجانيّ وقوعه قبل مضارع ، وجعل منه : إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ( 13 ) [ البروج : 13 ] ، وجعل منه أبو البقاء « 1 » وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ [ فاطر : 10 ] . ولا محلّ لضمير الفصل من الإعراب ، وله ثلاث فوائد : الإعلام بأنّ ما بعده خبر لا تابع . والتأكيد ؛ ولهذا سماه الكوفيّون دعامة لأنه يدعم به الكلام ، أي يقوّى ويؤكّد ، وبنى عليه بعضهم : أنه لا يجمع بينه وبينه ، فلا يقال : زيد نفسه هو الفاضل . والاختصاص .

--> ( 1 ) إملاء ما من به الرحمن 2 / 107 .